يواجه التزييف العميق أو Deepfake تحدياً تقنياً جديداً بعد كشف باحثين في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، يوم الثلاثاء، عن تقنية رقاقة مستشعر مبتكرة، إذ تعمل هذه التقنية على التوقيع التشفيري للصور ومقاطع الفيديو والصوت في اللحظة الدقيقة التي يتم فيها التقاطها، وفقاً لما ورد في الورقة البحثية المنشورة في مجلة Nature Electronics بتاريخ 24 مارس 2026.
وتولد الرقاقة توقيعاً رقمياً فريداً داخل عتاد المستشعر نفسه، مما يخلق رابطاً قابلاً للتحقق بين البيانات المسجلة والجهاز المادي الذي أنتجها، إذ يثبت هذا التوقيع مصدر البيانات ووقت التقاطها وما إذا كانت قد تعرضت للتعديل اللاحق، بحسب التفاصيل التقنية التي أعلنها المعهد السويسري المرموق، مما يعزز من موثوقية المحتوى الرقمي في مواجهة التزييف.
وتدمج شريحة ETH Zurich الوظائف التشفيرية مباشرة في عملية الاستشعار، على عكس أنظمة الحماية التقليدية التي تحمي البيانات فقط بعد تسجيلها، إذ تُنشئ الشريحة بصمة رقمية فريدة (hash) وتشفرها باستخدام مفتاح آمن مُخزن داخل العتاد أثناء عملية التقاط البيانات، مما يضمن أعلى مستويات الأمن السيبراني والتشفير العتادي المتقدم لحماية الوسائط الرقمية.
تحليل تقني: لماذا يتفوق العتاد على البرمجيات في مكافحة التزييف؟
يمثل هذا الابتكار تحولاً جذرياً من "الدفاع البرمجي" إلى "الحماية الفيزيائية"، إذ تظل الحلول البرمجية الحالية عرضة للاختراق أو التجاوز بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي الأكثر ذكاءً، بينما يوفر التشفير المدمج في السيليكون طبقة حماية لا يمكن التلاعب بها دون تدمير الجهاز نفسه، مما يضع حداً نهائياً لعمليات الفبركة الجماعية التي تهدد الثقة العامة.
ويعالج هذا النهج أزمة الثقة الرقمية المتفاقمة، إذ يمنح المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي أداة فيزيائية للتحقق من الأصالة، بدلاً من الاعتماد على نماذج كشف التزييف التي تخطئ أحياناً، ومع ذلك، تبرز الحاجة لتطوير معايير عالمية موحدة تضمن توافق هذه الرقائق مع مختلف أنظمة التشغيل والمنصات الرقمية العالمية، لضمان استمرارية الحماية عبر مختلف الأجهزة.
وتسمح هذه البنية التحتية الرقمية لمنصات التواصل الاجتماعي بالتحقق تلقائياً من المحتوى المُحمَّل، مما يقلل من انتشار الأخبار الزائفة والمقاطع المفبركة، إذ تمنح هذه التقنية المبتكرة وسيلة فعالة لاستعادة الثقة في المحتوى الرقمي الذي يتعرض لعمليات تزييف متطورة، وفقاً لما ذكره Fernando Cardes في تصريحاته الصحفية الأخيرة حول مستقبل الأمن الرقمي.
آلية عمل النظام والتحقق عبر البلوك تشين
أوضح Cardes، الباحث المشارك في قسم هندسة الأنظمة الحيوية بجامعة ETH Zurich، أن التوقيع على البيانات في لحظة التقاطها يجعل أي تلاعب لاحق يترك آثاراً واضحة، مؤكداً أن التلاعب بالبيانات يتطلب مهاجمة الشريحة فعلياً، وهو جهد تقني هائل يجعل الإنتاج الجماعي للمحتوى المُلاعب به مستحيلاً عملياً، بحسب وصفه الدقيق لآلية عمل المستشعر الجديد.
ويمكن للشركات المصنعة للكاميرات تخزين هذه التوقيعات في سجل عام غير قابل للتغيير مثل البلوك تشين، مما يتيح لأي شخص التحقق من الأصالة في أي وقت، إذ تفتح هذه الخطوة آفاقاً جديدة لاستخدام تقنيات السجلات الموزعة في تأمين سلاسل توريد المعلومات، لضمان وصول الحقيقة للمستخدم النهائي دون تشويه أو تلاعب، مما يعزز من مصداقية المصادر.
وتقدم الباحثون بطلب براءة اختراع ويستكشفون الآن كيفية خفض التكاليف لمصنعي الكاميرات والمستشعرات المهتمين بدمج هذه التقنية، إذ يمكن دمجها من حيث المبدأ في أي نوع من المستشعرات، مما يفتح آفاقاً واسعة لتأمين الهواتف الذكية وكاميرات المراقبة والأجهزة الطبية، وفقاً لما أشار إليه التقرير الفني للمعهد السويسري حول إمكانات التسويق التجاري للابتكار.
تمويل البحث ومبادرة SwissChips الوطنية
تلقى البحث تمويلاً من المؤسسة الوطنية السويسرية للعلوم وأمانة الدولة للتعليم والبحث والابتكار من خلال مبادرة SwissChips، إذ يعكس هذا الدعم الحكومي الأهمية الاستراتيجية لتطوير تقنيات السيادة الرقمية وحماية المجتمع من مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي، بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المانحة في زيورخ حول أهداف التمويل البحثي.
وتسعى سويسرا من خلال هذه الابتكارات إلى تعزيز مكانتها كمركز عالمي للأمن السيبراني والتقنيات الدقيقة، مؤكدةً أن الحلول التقنية القائمة على العتاد توفر طبقة حماية لا يمكن اختراقها بالوسائل البرمجية التقليدية، مما يضمن مستقبلاً أكثر أماناً للتعاملات الرقمية والوسائط الإعلامية في العصر الحديث، لضمان استمرارية التطور الرقمي وحماية الخصوصية.
ويستمر الفريق البحثي في تطوير خوارزميات التشفير المدمجة لتقليل استهلاك الطاقة وزيادة سرعة المعالجة، لضمان عدم تأثير الوظائف الأمنية على أداء الكاميرات عالية الدقة، ومع ذلك، تظل التكلفة النهائية للإنتاج هي العامل الحاسم في سرعة تبني هذه الرقائق في الأجهزة الاستهلاكية الموجهة للجمهور الواسع، لضمان وصول التقنية للجميع وتحقيق الأمان الرقمي الشامل.
