نشرت مجلة Nature يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من أبريل 2026 اكتشافاً يُرسِّخ تحولاً جوهرياً في عالم العلاج الجيني، إذ طوَّر فريق بقيادة الباحث بين ليو من كلية الطب بجامعة ولاية أوهايو، بالتعاون مع إيريك سونتهايمر وون شوي من كلية الطب UMass Chan ومنظومة واسعة من المتعاونين، تقنيةً أطلقوا عليها اسم "التجميع الأولي" Prime Assembly تُتيح إدراج شرائح DNA يصل حجمها إلى 11,000 زوج قاعدي في الجينوم في عملية واحدة متواصلة، وهو ما يُمثِّل قفزة تزيد على ثلاثة عشر ضعفاً فوق الحد الأقصى العملي البالغ نحو 800 زوج قاعدي في أفضل أساليب التحرير الأولي السابقة، وقال ليو مُجلِّياً أبعاد الاكتشاف: "بهذه الطريقة نُنجز تجميعاً جينومياً لا مجرد تعديل صغير، ونتطلَّع إلى بناء منصة عالمية نُدمج من خلالها نسخة سليمة من أي جين مباشرةً في خلايا المريض بصرف النظر عن الطفرة التي يحملها".
الفكرة الجوهرية: جمعٌ داخل الخلية لا خارجها
وتنهل التقنية من إلهام مزدوج المصدر، إذ تُوظِّف أسلوب تحرير التوأم الأولي TwinPE لتوليد شرائح أحادية السلسلة قابلة للبرمجة Programming عند الموقع المستهدف من الجينوم، ثم تُدمج قطعة DNA مانحة خطية تتداخل أطرافها مع تلك الشرائح دمجاً يستحضر آلية "تجميع غيبسون" Gibson Assembly الشهيرة في علم البيولوجيا الجزيئية، لكنه يُجري هذا التجميع داخل خلايا حية لا في أنبوب اختبار مختبري. وكما وصفه الفريق في الدراسة المنشورة تحت المعرف DOI: 10.1038/s41586-026-10460-4 في Nature "، فإن الآلية تُنجز إدراجاً دقيقاً دون الحاجة إلى الكسر المزدوج للحمض النووي DSB ولا إلى الإنزيمات الوراثية Recombinases ولا إلى مسار الإصلاح الموجَّه بالتماثل HDR الذي يشترط وجود خلايا في طور الانقسام.
وحقَّق الفريق كفاءة إدراج تصل إلى 50 بالمئة عند استخدام قطعة مانحة بحجم 0.8 كيلو زوج قاعدي، ثم صعَّد هذه القدرة تدريجياً حتى نجح في إدراج الجين الكامل لمرض ضمور العضلات الدوشيني DMD البالغ 11.3 كيلو زوج قاعدي في خلايا بشرية بصورة موثَّقة بتسلسل نانوبور وتحليل هلامي أغاروز، كما أثبت الفريق قدرة التقنية على إدراج جين CAR المحدد للـ CD19 في موضع مستقبل الخلية التائية TRAC، وهي خطوة ذات صلة مباشرة بالعلاج المناعي للسرطان.
التخلُّص من السمية التقليدية
وكانت الأساليب التقليدية القائمة على كريسبر تعاني من إشكالية هيكلية عميقة؛ إذ تتطلَّب إحداث كسور مزدوجة في الحمض النووي كشرط لإدراج شرائح DNA كبيرة الحجم، وهذه الكسور يمكنها تنشيط بروتين p53 الكابح للورم مُفضيةً إلى موت الخلايا وتقليص الكفاءة العلاجية، كما أن مسار HDR الذي يُستخدم بديلاً لا يعمل إلا في الخلايا المنقسمة فعلياً، مما يجعل الخلايا العصبية وخلايا عضلة القلب والخلايا المتخصصة الأخرى خارج نطاق هذه الأساليب عملياً. وبالمقابل، تكتفي تقنية التجميع الأولي بالكسر أحادي السلسلة وهو أخف وطأة بكثير على سلامة الخلية، وتعمل باستقلالية تامة عن دورة الانقسام الخلوي مما يُوسِّع نطاقها ليشمل أنسجةً كانت تُعدُّ في عداد الأهداف العسيرة.
وتعزَّزت هذه النتائج بمعطى إضافي؛ إذ أثبت الفريق أن مثبِّط إنزيم DNA-PK المعروف بـ AZD-7648 يضاعف كفاءة الإدراج ويُقلِّص التعديلات غير المقصودة بصورة ملموسة، وهو اكتشاف مكمِّل يُفتح أمام الباحثين باباً واسعاً لمزيد من التحسين.
ما يعنيه هذا للأمراض الوراثية المعقَّدة
تجمع كثيراً من الأمراض الوراثية الخطيرة كالتليف الكيسي وضمور العضلات الدوشيني وأمراض نقص المناعة المُرتبطة بالجينات الكبيرة مئاتٌ أو آلافٌ من الطفرات المتناثرة عبر الجين نفسه أو مناطقه التنظيمية، وهو ما كان يجعل العلاج الجيني التقليدي القائم على تصحيح الطفرة تلو الطفرة مساراً غير مجدٍ تنظيمياً وإكلينيكياً. وتُلمِّح دراسة Nature إلى أن التجميع الأولي قادر على تجاوز هذه الإشكالية برمَّتها عبر استبدال المنطقة الجينية المريضة بأكملها بنسخة سليمة مصنَّعة في المختبر، بصرف النظر عن عدد الطفرات أو مواضعها. وهذا التحوُّل من مبدأ "تصحيح الطفرة" إلى مبدأ "استبدال الجين" يُمثِّل نقلةً فلسفية في المقاربة العلاجية للأمراض الجينية المعقدة لا مجرد تطوير تقني.
يعتزم الفريق الآن إجراء دراسات على نماذج حيوانية لتقييم السلامة والكفاءة في سياقات الجسم الحي، فيما تبقى آليات توصيل مكونات التقنية عبر الجسيمات النانوية الدهنية أو الفيروسات المرتبطة بالأدينو خطوةً محورية تعكف عليها الأبحاث، وتحظى الدراسة بدعم من المعاهد الوطنية للصحة ومؤسسة ليدوك وصندوق التليف الكيسي.
