كشف تحقيق استقصائي أجرته صحيفة وول ستريت جورنال عن وجود عداء شخصي عميق ومستمر منذ أكثر من عقد بين قادة شركتي الذكاء الاصطناعي الرائدتين، مما يعكس كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تشكل مسار صناعة بأكملها وتؤثر على مستقبل التكنولوجيا التي ستغير العالم، حيث بدأ هذا الخلاف في عام 2016 داخل منزل مشترك في سان فرانسيسكو، مما شكل نقطة تحول فلسفية بين رؤيتين متعارضتين حول كيفية موازنة التقدم التكنولوجي مع اعتبارات السلامة العامة.
وانضم داريو أموداي إلى شركة أوبن إيه آي في منتصف 2016، لكن الخلافات حول السلطة والانتماء تعمقت خلال السنوات الأربع التالية، خاصة بعد مطالبة إيلون ماسك بقائمة مساهمات كل موظف لتبرير تسريح 10-20% من الفريق، وهو ما اعتبره أموداي قاسياً وأحد الأسباب التي دفعته لاحقاً لتأسيس شركة منافسة، حيث تصاعدت التوترات بشكل كبير خلال اجتماع مواجهة في غرفة مؤتمرات، مما أدى إلى جدال حاد وانعدام الثقة المتبادل الذي استمر لسنوات طويلة.
وتصاعدت حدة الخطاب الداخلي بشكل لافت، حيث قام الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أموداي بمقارنة أوبن إيه آي ومنافسيها بـ"شركات التبغ التي تبيع منتجات تعلم أنها ضارة" في محادثات خاصة، وهو جزء من نمط من الخطاب الداخلي الحاد الذي يتجاوز بكثير شخصيته العامة المتزنة، وفقاً للتقرير الاستقصائي، مما يعكس عمق الخلافات الاستراتيجية والشخصية بين القائدين اللذين يسيطران الآن على جزء كبير من سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.
وفي أوائل 2020، قرر الفريق المحيط بأموداي مغادرة أوبن إيه آي، حيث قادت دانييلا شقيقته المفاوضات القانونية للرحيل، ورغم زيارة سام ألتمان الشخصية لمنزل أموداي لمحاولة إقناعه بالبقاء، أصر أموداي على عدم العمل مع غريغ بروكمان مجدداً، مما أدى في النهاية إلى تأسيس شركة أنثروبيك في عام 2021، حيث يتنافس الآن الشركتان على الريادة في سوق يتجاوز قيمته 300 مليار دولار.
واليوم، وبعد خمس سنوات من الانفصال، تبلغ قيمة كل من أوبن إيه آي وأنثروبيك أكثر من 300 مليار دولار، حيث يتسابقان نحو الطروحات العامة، لكن العداء الشخصي لا يزال واضحاً في التفاعلات العلنية، كما ظهر في قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي عندما اختار ألتمان وأموداي تجنب المصافحة والاكتفاء بمصافحة المرفقين في لحظة رمزية تعكس عمق الخلاف الذي لا يزال يؤثر على قرارات الشركتين الاستراتيجية.
وتحمل هذه التطورات أهمية خاصة للمنطقة العربية، حيث يمكن لشركات التقنية الناشئة الاستفادة من الدروس المستفادة حول أهمية الحوكمة الواضحة وإدارة الخلافات الداخلية، مع التأكيد على ضرورة وضع أطر أخلاقية صارمة عند التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الحساسة، خاصة في ظل التنافس العالمي المتزايد على الريادة التكنولوجية والسيطرة على الأسواق الناشئة.
ويُنصح صناع القرار في المنطقة بمراقبة تطور هذه الصراعات التنظيمية، والاستفادة من النماذج الناجحة في إدارة الفرق التقنية، مع التركيز على بناء ثقافة مؤسسية تعزز الشفافية والثقة المتبادلة، مما يسهم في جذب المواهب العالمية وتعزيز القدرة التنافسية للشركات التقنية العربية في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي الذي يشهد تحولاً سريعاً.
